المصارف وعملية مكافحة غسيل الأموال

كتابة: ابراهيم قوشجي - آخر تحديث: 28 يناير 2020
المصارف وعملية مكافحة غسيل الأموال

المصارف الحلقات التي تدور فيها الأموال غسيل

        تُعّد المصارف من أهم الحلقات التي تدور فيها الأموال غير المشروعة ونظراً لما تتمتع به المصارف من تشعب العمليات المصرفية وسرعتها وتداخلها فأن لها الدور البارز في إبعاد الأموال غير المشروعة عن مصادرها وإضفاء صفة المشروعية عليها،  ويمكن أن يكون دور المصارف أكثر وضوحاً مع تقدم العمليات المصرفية واستخدام الأساليب التكنولوجية الحديثة وليس بالضرورة أن تكون المصارف على علم بمصادر تلك الأموال إلا أن الخدمات الإلكترونية الحديثة يمكن إستخدامها بصورة مخالفة للقانون خصوصاً وأن أغلب تلك العمليات تتم بصورة آلية وإمكانية الرقابة عليها تحتاج إلى جهد ووقت وتفرغ وتكاليف، فضلاً عن القوانين التي تمنح الحسابات سرية التعامل المصرفي وعدم قابليتها للكشف إلا بظروف خاصة تضفي صعوبة إضافية على المصارف في هذا الشأن ويمكن توضيح دور المصارف من خلال الآتي:

مؤشرات غسيل الأموال

المؤشرات العامة

تكون العمليات منضوية على مخاطر غسيل الأموال على وجــــه الخصوص:

  • عندما تكون عناصرها دالّة على غاية غير مشروعة: كالغموض أو الالتباس اللذين يطبعان غايتها الاقتصادية أو إذا بدت أنها غير معقولة بتاتــاً.
  • إذا تم سحب الأموال بعد انقضاء فترة قصيرة على إيداعها (حساب عابر) خاصة عند انعدام ما يبرّر هذا السحب في نشاط الزبون أساساً.
  • إذا كانت العمليات المطلوبة أو المنفذة تتخطى النطاق العادي أو الزبائن العاديين للمصرف أو لفرع معين لديه أو إذا تعذر اكتشاف الأسباب التي دفعت الزبون إلى اختيار هذا المصرف أو هذا الفرع لتسوية أعماله.
  • إذا كان أحد الحسابات لا يتحرك منذ مدة ( حساب جامد) ثم أصبح متحركاً جداً من دون أسباب معقولة.
  • إذا كانت العمليات متناقصة مع المعلومات المستقاة من خبرة المصرف في ما يتعلق بهذا الزبون أو مع الغاية من علاقات العمل التي يقيمها.

المؤشرات الخاصة:

غسل الأموال بواسطة عمليات محققة نقداً:

–      قيام أحد الأفراد أو أحدى المؤسسات بدفع مبلغ كبير وغير عادي نقداً في الوقت الذي تسدد مبالغ هذه الأنشطة عادة بواسطة الشيكات والتحويلات أو غيرها من وسائل الدفع.                            

–      ازدياد واضح وكبير لإيداعات أحد الأفراد أو المؤسسات التي تتم نقداً من دون أسباب واضحة أو موضحة لاحقاً.

–      قيام الزبائن بإيداعات عديدة نقداً بحيث يشكل مجموعها مبلغاً كبيـــراً.

–      الإكثار من تبديل مبالغ نقدية بعملات أُخرى.

–      الزبائن الذين تتضمن مدفوعا تهم أوراقاً مزيفة.

–      شراء شيكات مصرفية وشيكات سياحية نقداً بمبالغ كبيرة ومن قبل زبائن ظرفيين. الزبائن الذين يحولون مبالغ كبيرة إلى الخارج بواسطة مدفوعات تتم نقداً.

غسل الأموال بواسطة حساب مصرفي:

            –   العلاقة بين المصرف وزبونه عندما تنطوي على شبكة عمليات غير معقولة (عدد كبير من الحسابات لدى مصرف واحد،  تحويل متواتر بين هذه الحسابات،  سيولة مفرطة).         

            –   التحويل إلى مصرف آخر من دون تحديد المستفيد.

            –   استلام شيكات بمبالغ كبيرة مظهّرة من الغير لصالح الزبون.

–  التطابق بين التحويلات والإيداعات النقدية الحاصلة في اليوم ذاته.

            –   التحويلات الكبيرة والمتواترة نحو بلد معروف أنه منتج للمخـــدرات.

–    الزبائن الذين يرغبون في عدد معّين من الحسابات تحت الطلب من دون أن يكون ذلك مبرَّراً بنشاطهم المهني.

–    الزبائن الذين تملكون بصورة واضحة عدة حسابات لدى عدة مؤسسات مالية في منطقة واحدة،  وبالأخص إذا كان المصرف على علم بحصول تعزيز منتظم لهذه الحسابات قبل تقديم طلب بتحويل أموال.

–    الزبائن الذين يرفضون تقديم معلومات تتيح لهم،  في الظروف غير العادية،  الاستفادة من اعتماد أو من أي خدمة مصرفية ذات أهمية.

غسل الأموال المخدرات بواسطة عمليات استثمار:

           –    شراء سندات مودعة لدى أحد المصارف في وقت لا يتوافق ذلك مع وضع الزبون.  

           –    تداول سندات بقيم كبيرة نقداً.

           –    شراء أو بيع سندات من دون هدف واضح أو في ظروف تبدو غير اعتيادية.

  – العمليات الجارية على أساس ضمانات أو قروض لدى فروع أو شركات تابعة لمصارف أجنبية قائمة في مناطق معروفة بتهريب المخدرات.

غسل الأموال بواسطة نشاط دولي “أوف شور”. 

          –     استعمال خطابات الاعتماد ووسائل تمويل أُخرى لنقل أموال إلى بلدان معينة في حين أن مثل هذه التحويلات لا تتناسب مع نشاط الزبون العادي والطبيعي.

          – الزبائن الذين يسددون مدفوعات منتظمة وكبيرة،  بما فيها التحويلات الإلكترونية،  التي لا يمكن تحديدها بوضوح كعمليات حاصلة لغايات مشروعة أو الزبائن الذين يتلقون بانتظام مدفوعات كبيرة آنية من بلدان تشارك عادة في إنتاج المخدرات أو تصنيعها أو ترويجها، منظمات إرهابية محظورة،  جنات ضريبية.          

         –      الطلب المنتظم لشيكات سياحية، أو شيكات بعملات أجنبية أو من الأدوات المصرفية القابلة للتداول.

الإجراءات الواجب إتباعها من المصارف لتفادي التورط في عمليات غسيل الأموال.

  1. أعرف عميلك.
  2. ضمان وجود آثار للعمليات.
  3. التقييد بالقوانين والتشريعات وتعليمات البنوك المركزية.
  4. التعاون مع البنوك الأُخرى والأجهزة الرقابية.
  5. الاجتهاد واجب.
  6. الرقابة الذاتية للبنوك.
  7. البرامج التدريبية للموظفين. 
  8. عدم فتح حسابات وهمية أو لأشخاص مجهولي الهوية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إشكالية التوفيق بين مكافحة غسيل الأموال وقواعد العمل المصرفي. 

نظراً لما تتمتع به العمليات المصرفية الحديثة من استخدام أحدث الوسائل التكنولوجية المعقدة والتي تسهل عمليات غسيل الأموال وما يرافق تلك العمليات من وجود مبدأ السرية المصرفية وعدم جواز إفشاء أية بيانات تتعلق بالعملاء برزت إشكالية التوفيق بين مكافحة غسيل الموال وتلك القواعد.

  وبالرغم من وجاهة الأسباب الاقتصادية التي تبرر السرية المصرفية إلا أن التوفيق ممكن بين مكافحة غسيل الأموال وسرية العمل المصرفي إذا اعتبرنا أن الأصل سرية العمل المصرفي والاستثناء هو الخروج على هذه السرية.

لعل أكثر ما يخشاه المرء في هذا المجال أن تشكل السرية المصرفية إلى جانب تواطؤ موظفي المصارف وارتشائهم فرصة لضخ مبالغ مشبوه من السيولة النقدية في الشرايين المالية ثم سحبها فجأة أو عدم استخدامها في تنمية الدورة الاقتصادية،  ذلك أن الأموال المتأتية من الاتجار غير المشروعة بالممنوعات هي في نهاية المطاف أموال تائهة وعائمة تبحث عن أماكن تبعث فيها الأمان والطمأنينة ن فضلاً عن كونها سلاحاً ماضياً في أيدي أصحابها الذين يستطيعون ان يشاركوا بحكم نفوذهم في مواقع القرار في تحديد العديد من الاتجاهات السياسية والاقتصادية محلياً وعالميـــاً. 

التأثيرات المترتبة عن عمليات غسيل الأموال.            

        يولي البعض الأموال الملوثة أهمية قصوى لإيجاد غطاء مناسب لحركة رؤوس أموالهم وصولاً إلى شرعنتها من دون الالتفات إلى الجدوى الاقتصادية من كميات الأموال الضخمة ولا إلى الآثار التي تترتب عيها،  سلباً أو إيجاباً،  مما ينعكس ارتباكاً مباشراً على مناخ الاستثمار.

        وعليه يمكن أن تكون تأثيرات هذه العمليات إيجابية عندما تستثمر تلك الأموال الملوثة في مشروعات إنتاجية متوسطة وطويلة الأجل من شأنها الإسهام في التنمية الاقتصادية ومن ثم تقليص حجم البطالة وتوفير فرص عمل جديدة وخفض معدل التضخم. 

        لكن هذه الأموال تتجه غالباً إلى البحث عن الأرباح السريعة والتوظيفات القصيرة الأجل على الرغم مما يحمله ذلك من مخاطر كبيرة على النظام المصرفي بخاصة والوضع الاقتصادي بعامة،  لأنها تقود إلى اهتزاز ثقة المستثمرين وتشويه التنافس بين المصارف وإلى الإبقاء على مصارف متعثرة تحت رحمة أموال العصابات الإجرامية التي اعتادت تحصيل نسبة عمولة جراء قيامها بالغسل قد تصل إلى(20%) من أصل الأموال المغسولة.

      وبناءً عليه فأن عمليات غسيل الأموال الناجمة عن الاتجار غير المشروع تترتب عليها تأثيرات في المجالات كافة لاسيما المجال النقدي والمصرفـــــي.          

       يمكن أن نستعرض تلك التأثيرات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والامنية بشكل عام  والمجال النقدي والمصرفي بشكل خاص وكالآتي:

التأثيرات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والامنية.

–      يؤدي خروج الأموال المشروعة بطريق غير مشروع إلى خارج البلاد إلى حرمان البلاد من العوائد الإيجابية التي يمكن أن يحصل عليها المجتمع التي تتمثل في القيمة المضافة إلى الدخل القومي وما يرتبط بذلك من تشغيل العمالة وعلاج البطالة وتوافر جانب العروض السلعي وما يرتبط بذلك من استقرار للأسعار المحلية.  

–      يمكن أن يؤدي إلى زيادة معدلات الاستهلاك بشكل يفوق الدخل القومي ويساهم في حدوث خلل اقتصادي هيكلي نظراً لانخفاض المدخرات مع زيادة الاستهلاك من دون حدوث نمو مماثل في الناتج المحلي الإجمالي.

–      تؤدي ممارسة الأنشطة غير القانونية إلى إعادة توزيع الدخل بين الفئات الاجتماعية المختلفة،  وذلك من خلال تحويل الدخول من بعض الفئات الاجتماعية المنتجة إلى فئات أخرى غير منتجة وما يصاحب ذلك من تزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع.

–      تؤدي هذه العمليات إلى حدوث الاضطرابات الاجتماعية والسياسية حيث انتشار العصابات ونشاطها في إحداث الانقلابات السياسية وزعزعة الأمن والاستقرار وزيادة معدلات الجريمة المنظمة محلياً ودولياً وكذلك تزايد معدلات الفساد.

–      إن تسرب الأموال المشبوه إلى المجتمع يؤدي إلى قلب ميزان الهرم الاجتماعي في البلاد وذلك بصعود المجرمين القائمين على عمليات غسيل الأموال إلى أعلى هرم المجتمع في الوقت الذي يتراجع فيه مركز المكافحين المجدين إلى أسفل القاعدة.

–      تؤدي عمليات غسيل الأموال إلى انتشار القيم السلبية التي تساهم في تدمير النسيج القيمي والأخلاقي في المجتمعات والتفكك الأسري وافتقار المجتمع إلى التكافل الاجتماعي.

–      يؤدي تزايد عمليات غسيل الأموال إلى اهتمام الدولة بالقضايا الأمنية،  ومن ثم زيادة الإنفاق على مكافحة الجريمة للحد من ارتفاع معدلاتها،  وهذا الإنفاق يتم على حساب الخطط التنموية الاجتماعية والاقتصادية،  ويؤدي إلى تفاقم البطالة والفقر والتخلف. 

–      تؤدي هذه العمليات إلى زعزعة الأمن الاجتماعي داخل المجتمع،  وانتشار الابتزاز وعمليات السطو المسلح وقتل الناس و أخد أموالهم،  وهو ما يجعل المجتمع ساحة إجرام ويفتقد أفراده عنصر الأمان والطمأنينة التي هي غاية كل إنسان في كل الأوطان.   

–      تمكن عمليات غسيل الأموال جماعات الإجرام المنظم إلى إفساد الموظفين وبخاصة رجال أنفاذ القوانين من رجال الضبط وغيرهم عن طريق الرشوة وذلك ليأمنوا عدم ملاحقتهم جنائياً ويعيشون في حالة مهادنة معهم. 

التأثيرات في المجال النقدي والمصرفي.

  1. حصول منافسة غير متكافئة بين صاحب الأموال الملوثة والمستثمر الجاد صاحب الأموال النظيفة،  سواء كان هذا الأخير محلياً او أجنبياً فضلاً عن إمكانية تأثير الأموال المغسولة في سعر صرف العملة وسعر الفائدة.

2-     نقل رؤوس الأموال من بلدان تطبق سياسات اقتصادية جيّدة ومدروسة وذات معدلات عائد مرتفعة إلى بلدان تطبق سياسات قصيرة النظر وذات معدلات عائد منخفضة.

3-     اضطراب الأسواق المالية الدولية والتسبب أحياناً بانهيار بعضها مما يقوّض أساس البناء الاقتصادي في العديد من بلدان العالم.

4-     خفض قيمة العملة الوطنية جرّاء تحويل الملوث منها إلى ذهب ومجوهرات يسهل بيعها في الخارج مقابل عملات أجنبية قوية.

5-     اختلال في بنية المجتمع الواحد يتمثل خصوصاً في اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء وينعكس تفاوتاً حاداً في توزيع الدخول بين الأفراد والجماعات على حد سواء.

6-     جعل مهمة الدولة أكثر صعوبة في وضع الخطط والبرامج الآيلة الدفع عجلة التنمية المستدامة إلى الأمام.

7-     ازدياد حجم السيولة النقدية محلياً بنسبة تفوق كثيراً الريادة في إنتاج السلع والخدمات،  الأمر الذي من شأنه إحداث ضغوط تضخمية على الاقتصاد الوطني يترتب عليها إضعاف القوة الشرائية للنقود.

8-     تؤثر عمليات غسيل الأموال في ارتفاع معدلات التضخم باعتبارها جزءاً من أنشطة الاقتصاد الخفي،  إذ تؤدي إلى زيادة الطلب الاستهلاكي غير العقلاني ومن ثم الضغط على المعروض من السلع والخدمات والتأثير في المستوى العام للأسعار. ويرى البعض أن من أهم مصاحبات جرائم غسيل الأموال وقوع الاقتصاد فريسة للتضخم الركودي، إذ يصاب المجتمع بظواهر اقتصادية متعارضة.

9-     تؤثر عمليات غسيل الأموال في السياسة المالية للدولة وحجم الدين العام والموازنة العامة للدولة الذي من الممكن أن يحدث العديد من الآثار التضخمية النقدية مما يسهم في ارتفاع المستوى العام للأسعار لاسيما في الدول النامية. 

دور القطاع المصرفي في مكافحة غسيل الأموال

إذا كانت مكافحة جرم غسيل الأموال تتطلب في المقام الأول تدابير وإجراءات قانونية ذات طابع جزائي فإن هذه الإجراءات والتدابير تبقى ناقصة وغير ذات فعالية خارج إطار تعاون القطاع المالي عموماً والقطاع المصرفي خصوصاً،  نظراً للدور البالغ الأهمية الذي يؤديه هذا القطاع الأخير في تمرير عمليات غسيل الأموال الملوثة،

 لأن قوانين سرية الحسابات المصرفية لتنسجم مع مكافحة غسيل الأموال،  وتدريب العاملين في المصارف والمؤسسات المالية وأسواق المال وغيرهم على الأساليب الحديثة لكشف محاولات غسيل الأموال والإبلاغ عنها،  والاستفادة من خبرة عدد من المصارف العالمية التي تتجه نحو مكافحة غسيل الأموال والعمل على إيجاد آلية تنسيق وتعاون دولي من تبادل المعلومات والخبرات القانونية والمالية والنقدية التي من شأنها أن تؤدي دوراً هاماً في مكافحة غسيل الأموال.         

823 مشاهدة
التالي
التجارة الناعمة.. صفات رائدات الأعمال
السابق
المضاربة و استراتيجيتها في السوق